أخي السجين .. معاً نصنع النجاح

 

       

 

 

توبة

خلف القضبان

 

إعداد

القسم العلمي بمدار الوطن

 

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ، أما بعد ...

أخي السجين ! إن من نعم الله عزَّ وجلَّ علينا ، أن الله عزَّ وجلَّ فتح لنا باب التوبة ، مهما كانت ذنوبنا وخطايانا ، فلم يؤيسنا من رحمته ؛ ولم يقنطنا من عفوه ومغفرته ، قال تعالى : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ [ الزمر: 53 - 54]

وقال سبحانه : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الشورى:25] .

والله سبحانه يحب أن يرحم عباده ، فرحمته سبقت غضبه ، ولذلك فهو يدعوهم إلى التوبة ويريدها لهم ، ولا يريد لهم الإصرار على المعاصي : ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾ [ النساء:27] .

فلماذا نعرض – أخي – عن طريق التوبة الذي هو طريق الفوز والرشد ، ونسلك طريق الشهوات الذي هو طريق الخسار والنكد ..

 

التوبة فريضة شرعية

والتوبة – أخي – هي الرجوع عما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه الله ظاهراً وباطناً ..

وهي فرض عين على كل مسلم ، وفرضيتها ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع .

فأما الكتاب فلقول الله تعالى : ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: من الآية31 ].

وقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾ [ التحريم: من الآية8] . ففي هاتين الآيتين الأمر الصريح بالتوبة لجميع المؤمنين ، وهذا يدلّ على وجوب التوبة ، ويدل كذلك على أن التوبة ليست خاصة بالعصاة والمخلطين ؛ لأن الله تعالى أمر بها أهل الإيمان .

ومما يدلّ على وجوب التوبة كذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: من الآية11] حيث قسَّم العباد إلى قسمين : تائب وظالم ، ولما كان الظلم محرماً ؛ كانت التوبة واجبة .

وأما السنة : فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة فقال : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة )) [ رواه مسلم ] .

ويا لله العجب ! رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم عن الذنوب التي نعرفها ، ومع ذلك يتوب في اليوم الواحد مائة مرة !!

ونحن غافلون عن التوبة .. واثقون بالرحمة والمغفرة .. وكأننا ضمنا على الله الجنة ؛ بل الفردوس الأعلى !

وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة : الإجماع منعقد على وجوب التوبة .

وقال ابن تيمية: ((ولا بد لكل عبدٍ من التوبة ، وهي واجبة على الأولين والآخرين)) .

 

الله رحيم بعباده

ومن رحمة الله علينا أخي الحبيب ، أن دعانا إلى التوبة وفرضها علينا لنتوب فيغفر لنا سبحانه وتعالى ، فما أرحمه بنا ، وما أرأفه بحالنا ، وما أحمله علينا ..

قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لله أشدّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، وقد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ؛ أخطأ من شدة الفرح )) [ رواه مسلم ] .

فالله عزَّ وجلَّ يدعوك – أخي الحبيب – إلى داره : ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس:25] .

فلم الإعراض ؟ .. ولم الصدود ؟.. ولم الفرار ؟ ..

إن من خاف مخلوقاً فرَّ منه ... أما من خاف من الله تعالى فرَّ إليه : ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [ الذريات:50] .

فالله عزَّ وجلَّ يقبل توبة التائبين ، ويغفر ذنوب المذنبين ، ويقبل عثرات العاثرين ... ويرحم دموع الخائفين النادمين ..

فأين التائبون إلى الرحمن ؟!

أين الخائفون من النيران ؟

أين المشتاقون إلى الجنان ؟!

أين الخاطبون للحور الحسان ؟!

 

ظلم العبد ورحمة الربّ

قال تعالى : ﴿ إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [ العاديات:6] .

قال ابن عباس : كفور جحود لنعم الله .

وقال الحسن : هو الذي يعدُّ المصائب وينسى النعيم ...

أما الربُّ عزَّ وجلَّ فهو الحميد ، الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ..

ينزل سبحانه كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول :

هل من داع فأستجيب له ؟ ..

هل من سائل فأعطيه ؟..

هل من مستغفر فأغفر له ؟ ..

لم يؤيّس عبده من رحمته .. ولم يقنطه من عفوه ومغفرته .. بل قال : متى جئتني قبلتك .. إن أتيتني ليلاً قبلتك .. وإن أتيتني نهاراً قبلتك .. وإن تقربت مني شبراً تقربت منك ذراعاً .. وإن تقربت مني ذراعاً تقربت منك باعاً . وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة .. ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا .. ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً .. أتيتُك بقرابها مغفرة .. ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ، ومن أعظم مني جوداً وكرماً ؟..

عبادي يبارزونني بالعظائم .. وأنا أكلؤهم على فرشهم .. إني والجن والإنس في نبأ عظيم .. أخلق ويعبد غيري .. وأرزق ويشكر سواي .. خيري إلى العباد نازل .. وشرّهم إليَّ صاعد .. أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم .. ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليَّ .

من أقبل إليَّ تلقيته من بعيد .. ومن أعرض عني ناديته من قريب .. ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد .. ومن أراد رضائي أردت ما يريد .. ومن تصرف بحولي وقوتي ألنتُ له الحديد ..

أهل ذكري أهل مجالستي  .. وأهل شكري أهل زيادتي .. وأهل طاعتي أهل كرامتي .. وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ..

إن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم .. فإني أحبُّ التوابين وأحبُّ المتطهرين .. وإن لم يتوبوا إليَّ فأنا طبيبهم .. أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب ..

من آثرني على سواي ؛ آثرته على سواه .. الحسنة عندي والسيئة عندي بواحدة .. فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له ..

أشكر اليسير من العمل .. وأغفر الكثير من الزلل .. رحمتي سبقت غضبي .. وعفوي سبق عقوبتي .. وأنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها ([1])  .

 

ظلم العبد ورحمة الربّ

وأن سألت أخي عن طريق مضمون سهل يسير ليس فيه مشقة ولا نصب ، ومع ذلك فإنه موصل إلى رضوان الله والجنة ، أخبرتك أن هذا الطريق هو طريق التوبة ..

وإذا أردت معرفة ذلك ، فتعال معي لتقرأ ما سطَّره الإمام أين القيم عن سمات هذا الطريق إذ قال رحمه الله : (( هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء .. بل من أقرب الطرق وأسهلها .. وذلك أنك في وقت بين وقتين .. وهو في الحقيقة عمرك .. وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يُستقبل ..

فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار .. وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ، ولا معاناة عملٍ شاق .. إنما هو عمل قلب ..

وتمتنع فيما يُستقبل من الذنوب ، وامتناعك ترك وراحة .. ليس هو عملاً بالجوارح يشق عليك معاناته .. وإنما هو عزمٌ ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرّك ..

فما مضى تصلحه بالتوبة .. وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية .. وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب .. ولكن الشأن في عمرك .. وهو وقتك الذي بين الوقتين .. فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك .. وإن حفظته – مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكر – نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم ..

وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت .. فهي – والله – أيامك الخالية .. التي تجمع فيها الزاد لمعادك .. إما إلى الجنة وإما إلى النار .. فإن اتخذت إليها سبيلاً إلى ربك .. بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر في هذه المدة اليسيرة التي لا نسبة لها إلى الأبد ..

وإن آثرت الشهوات والراحات واللهو واللعب .. انقضت عنك بسرعة .. وأعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله والصبر على طاعة الله .. ومخالفة الهوى لأجله([2]) ...

 

فاستبقوا الصراط  

فيا أخي الحبيب بادر بالتوبة الصادقة ، وجدّد التوبة في كل يوم وفي كل وقت .. وإذا أذنبت مرة أخرى ، فجدد توبة أخرى ، ولا تصرّ على الذنب أو تعتقد أن الله عزَّ وجلَّ لا يغفره لك ..

بادر أخي بالتوبة .. ولا تقل سوف أتوب .. أو غداً سأتوب .. وما يدريك أنك ستعيش إلى غدٍ .. فإن الموت يأتي بغتة بلا أسباب ولا مقدمات .. وكم رأينا أناساً ماتوا فجأة وهم في شرخ الشباب .. فهذا توفي بسبب توقف مفاجيء للقلب .. وهذا بسبب حادث مروع ... وذلك بسبب رصاصة طائشة .. وآخر لا يُعلم سبب موته .. قال تعالى : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: من الآية34].

ومن هنا أمر الله عزَّ وجلَّ باغتنام الأوقات في طاعته .. وبالمسارعة بالتوبة قبل حلول الأجل .. قال تعالى: ﴿*وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [ آل عمران: من الآية133] .

وقال : ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [ البقرة: من الآية148] .

وقال : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:135] .

وقال النبي : (( ويل للمصِرِّين على ما فعلوا وهم يعلمون )) [ رواه أحمد وصححه الألباني ] .

فيا أخي الحبيب !

  • تب الآن قبل أن تتراكم الظلمة على قلبك ، فلا تستطيع فكاكاً من المعاصي .
  • تب الآن قبل أن يهجم عليك المرض أو الموت فلا تجد مهلة للتوبة والإنابة .
  • تب الآن قبل أن يأتيك ملك الموت فتقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾  فيقال لك ﴿كَلَّا﴾.
  • تب الآن واقبل النصح ؛ فالسعيد من وعظ بغيره ..
  • تب الآن فبل أن تعضَّ على أصابع الندم وتقول : ﴿ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ﴾ [ الفرقان: من الآية27، 28 ] .

 

أخي الحبيب !

خذ من شبابك قبل الموت والهرم
 


 

وبادر التوب قبل الفوتٍ والندم
 

واعلم بأنك مجزيٌّ ومرتهنٌ

 

 

وراقب الله واحذر زلة القدم
 

 

 

 

 

من ثمرات التوبة 

للتوبة أخي ثمرات عديدة يحتاج إليها كل مسلم ، ولا أراك إلا في شدة الاحتياج إليها ، فاحرص أخي على قطف هذه الثمار فإنها والله فرصتك إلى النجاة والفوز والنعيم ومن ثمرات التوبة :

  1. أنها سبب لدخول الجنة والنجاة من النار : لقوله تعالى : ﴿* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [ مريم:59، 60] .
  2. أنها سبب لتكفير السيئات وتبديلها حسنات :

لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [التحريم: من الآية8] .وقوله تعالى :﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ [ الفرقان:70 ] .

  1. أنها سبب الفلاح في الدارين :

لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[ النور: من الآية31].

  1. أنها سبب لمحبة الله :

لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: من الآية222] .

  1. أنها سبب لحصول الخيرات للعبد :

لقوله تعالى : ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ [ هود:52 ] .

  1. أنها سبب للمغفرة والرحمة :

لقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ لأعراف:153] .

 

الطريق إلى التوبة

وإذا سألت أخي عن بداية طريق التوبة فإنه (( اليقظة )) ، فاليقظة هي البداية الحقيقية للاستقامة والنهوض من ورطة الغفلة ومحنة التقصير .

قال ابن القيم رحمه الله : (( فأول منازل العبودية : (( اليقظة )) وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين ... ))

فهل تشعر أخي بالتقصير ؟

هل تشعر بالتفريط في حق الله ؟

هل تشعر بالندم على ما سلف من العصيان ؟

إن مجرد شعورك هذا هو بداية التوبة والاستعداد الحقيقي لها . أما الذين لا يشعرون بذنوبهم وتفريطهم وتقصيرهم ، فإن التوبة لم تخطر ببالهم .

فهل أنت مستعدّ – أخي الحبيب لهذه اليقظة المباركة ؟

هل أنت متشوق لهذا التوجّه الجديد ؟

هل أنت جاهز لهذا التحول في مسيرة حياتك ؟

إنه – والله – مستقبلك الحقيقي ، وسعادتك الأبدية التي إن فقدتها وحُرمت منها ، فقد خبت وخسرت ، وأحاط بك الشقاء من جميع جهاتك ، ولزمتك الحسرة والندامة ، وليت حين مندم .

إننا لا ندعوك – أخي– إلى عمل شاق يصعب عليك .. إننا ندعوك فقط إلى وقفة تأمل وفكرة حقيقية في المصير والمآل، ومحاسبة صادقة للنفس، ومراجعة حثيثة لما قدمت وما ينتظرك

فالأمر جدّ خطير ، ونذير الموت يتربص ، والنهاية الحقيقية في كلمتين : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ([3]) ... فليت شعري في أيّ المحلَّيْن تكون !!

أسأل الله لي ولك توبة مقبولة وعودة صادقة وإنابة للذنوب ماحقة .


 

عالج همومك

بالصلاة

 

إعداد

القسم العلمي بمدار الوطن

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ...

فإن الصلاة من أعظم أسباب السعادة والطمأنينة والهدوء وراحة البال ، ولذلك فقد جعلت قرت عين النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، وقرة العين فوق المحبة ، فإنه ليس كل محبوب تقرُّ به العين ، وإنما تقرُّ العين بأعلى المحبوبات وهو الله سبحانه وتعالى وما يقرب إليه ، والصلاة من أعظم ما يقرب إلى الله تعالى ، ومن أعظم ما يريح النفس ويسعدها .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال : (( يا بلال أرحنا بالصلاة )) [ رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني ] .

فيا أيها المحزون الذي أثقلته الهموم : راحتك في الصلاة ...

ويا أيها القلق الذي سيطر عليه الخوف : أمنُك في الصلاة ..

ويا من ضاق صدره ، وانكشف بالُه ، واضطرب فؤاده : سعادتك في الصلاة ..

وأنت أخي السجين .. يا من تقاسي من فقد الأهل والأحباب : راحة قلبك وهدوء بالك في الصلاة .

قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾   [ الحجر:97 ،99].

كيف تشكو الوحدة أخي والصلاة خير أنيس ..

كيف تشكو الوحشة والله تعالى جليس من ذكره ، وأنيس من ناجاه !

من مثلكم أخي ... تدخل على ملك الملوك في أي وقت تشاء دون استئذان من أحد .. فلا حجّاب ولا حرّاس .. وأنت الذي تقرر إنهاء الزيارة أو تمديدها ... فالباب مفتوح .. والخير ممنوع ... قال تعالى في الحديث القدسي : (( قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله : حمدني عبدي ..  

فإذا قال  : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .

قال الله : أثني عليَّ عبدي ..

فإذا قال  : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .

قال الله : مجَّدني عبدي ..

فإذا قال  : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .

قال الله : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ..

فإذا قال  : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ .

قال الله : هذا العبدي ، ولعبدي ما سأل )) [ رواه مسلم ] ..

قال ابن القيم رحمه الله : (( فالصلاة قرة عيون المحبين في هذه الدنيا ، لما فيها من مناجاة من لا تقرّ العيون ، ولا تطمئن القلوب ، ولا تسكن النفوس إلا إليه ، والتنعم بذكره ، والتذلل والخضوع له ، والقرب منه ، ولاسيما في حال السجود ، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها .

ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( يا بلال ! أرحنا بالصلاة )) فأعلم بذلك أن راحته صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، كما أخبر أن قرة عينه فيها .

فأين هذا من قول القائل : نصلي ونستريح من الصلاة ! فالمحبُّ راحته وقرة عينه في الصلاة ، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك ؛ بل الصلاة كبيرة شاقة عليه ، إذا قام فيها كأنه على الجمر حتى يتخلص منها ، وأحبُّ الصلاة إليه أعجلها وأسرعها ، فإنه ليس له قرة عينٍ فيها ، ولا لقلبه راحةٌ بها ))([1]).


الصلاة التي نريد

والصلاة التي نريد ليس هي التي يؤديها كثير من الناس بلا روح ولا خشوع ولا طمأنينة ولا تفكر في معانيها ، فإن مثل هذه الصلاة لا تأثير لها في حياة صاحبها ، فالمقصود بالصلاة إنما هو تعظيم المعبود ، وتعظيمه لا يكون إلا بحضور القلب في العبادة . وقد كان بعض السلف يتغير وجهه خوفاً إذا حضرت الصلاة ويقول : أترون بين يدي من أريد أن أقف ؟ فإذا أردت استجلاب حضور قلبك الغائب ، ففرّغه من الشواغل ما استطعت .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عشر صلاته ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ، سدسها ، خمسها ، ربعها ، ثلثها ، نصفها )) [ رواه أحمد وأبو داود وحسَّنه الألباني ] .

فهلا سألت نفسك أخي : ماذا كتب لك من صلاتك ؟ بل هلا سألت نفسك هل قبلت صلاتك أم لا ؟ .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت ؛ صلح سائر عمله ، وإن فسدت ؛ فسد سائر عمله )) [ أخرجه الطبراني وصححه الألباني ] .

فالصلاة التي نريد هي الصلاة التي تستجاب بها الدعوات ..

الصلاة التي تكشف بها الكربات ...

الصلاة التي تنزل بها الرحمات ...

الصلاة التي تُدفع بها البليَّات ...

الصلاة التي تقرّب العبد من ربّ البريات ...

فأين نحن من هذه الصلاة .. ؟

 

الصلاة لوقتها

قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء: من الآية103] وقال تعالى:﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59 ]

قال أحد السلف : أما إنهم ما تركوها بالكلية ولكن أخروها عن أوقاتها ..

وقال تعالى : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ[ البقرة:238]، وقال تعالى : ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طـه: من الآية14] .

وسئل صلى الله عليه وسلم : (( أيُّ العمل خير ؟ فقال : (( الصلاة لوقتها )) [ متفق عليه ] .

 

تعظيم شأن الصلاة

ولقد كان السلف رضوان الله عليهم يعظمون شأن الصلاة ، ويهتمون بها أعظم اهتمام ، فكانوا يتسابقون إلى المساجد حال النداء ، ويحرصون على حضور تكبيرة الإحرام مع الإمام .

قال سعيد بن المسيب : ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة ! .. وقال : ما نظرت في قفا رجلٍ في الصلاة منذ خمسين سنة ، يعني أنه لم يصلّ إلى في الصف الأول منذ خمسين سنة .

وقال وكيع بن الجراح : كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى !

وقال ابن سماعة : مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي ([2]).

إن تعظيم شأن الصلاة يكون بأمور :

الأول : رعاية أوقاتها وحدودها .

الثاني : التفتيش عن أركانها وواجباتها وكمالها .

الثالث : المسارعة إليها عند وجوبها .

الرابع : الحزن والكآبة والأسف عند فوات حق من حقوقها ..

كمن يحزن على فوت الجماعة ، ويعلم أنه لو تُقُبّلت منه صلاته منفرداً ؛ فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفاً .

وكذلك إذا فاته أول الوقت الذي هو رضوان الله تعالى ، أو فاته الصف الأول .

وكذلك فوت الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها بين يديّ الرب تعالى ، الذي هو روحها ولبُّها ، فصلاة بلا خشوع ولا حضور كبدن ميت ولا روح فيه ([3]) .

 

من ثمرات الصلاة

وللصلاة أخي الحبيب ثمرات عديدة منها :

  1. أنها أفضل الأعمال :

لقوله صلى الله عليه وسلم : ((استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)) [ رواه أحمد وصححه الألباني ] .

  1. أنها نور في القلب والجوارح :

لقوله صلى الله عليه وسلم : (( الصلاة نور )) [ رواه مسلم ] .

  1. أنها ماحية للخطايا والسيئات :

لقوله صلى الله عليه وسلم : (( أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم ، يغتسل منه كل يوم خمس مرات ، هل يبقى من درنه شيء ؟ ))

قالوا : لا يبقى من درنه شيء .

قال : (( فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا )) [ متفق عليه ] .

  1. أنها رافعة الدرجات :

لقوله صلى الله عليه وسلم لثوبان : (( عليك بكثرة السجود ، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة ، وحطّ عنك بها خطيئة )) [ رواه مسلم ] .

  1. أنها سبب للفلاح :

لقوله تعالى : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [ المؤمنون : 1- 2] .

  1. أنها سبب للنصر :

لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنها ينصر الله هذه الأمة بضعيفها ؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم )) [ رواه النسائي وصححه الألباني ] .

  1. أنها منجية من الفواحش والمنكرات :

لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [ العنكبوت: من الآية45] .

  1. أنها إغاظة للشيطان :

لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلي! أُمر ابن آدم بالسجود فسجد ؛ فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيتُ ؛ فلي النار)) [ رواه مسلم ] .

  1. أنها مذهبة للخوف والهلع والبخل :

لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً *وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً  *  إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾  [ المعارج:19 -22 ] .

  1. أنها تنجي صاحبها من النار :

لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لن يلج النار أحد صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها )) يعني الفجر والعصر [ رواه مسلم ] .

فهذه – أخي الحبيب بعض ثمرات الصلاة وفوائدها ، مما يدل على أهمية هذه الصلاة وعظم شأنها في الإسلام ، وكيف لا تكون الصلاة كذلك والله تعالى يقول : ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾ [ مريم:59] .

* وحينما يسأل أهل النار عن سبب تعذيبهم في جهنم يخبرون بأن تركهم للصلاة كان سبباً في ذلك : ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾[ المدثر:42،43 ] .

* وقال : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها ؛ فقد كفر)) [ أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني ] .

* وقال : (( من ترك صلاة العصر ؛ حبط عمله )) [ رواه البخاري ] .

* وقال : (( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين )) [ رواه مسلم ] .

فلا إله إلا الله ما أعظم شأن الصلاة .

ولا إله إلا الله ما أعظم ثمرات الصلاة .

ولا إله إلا الله ما أشدّ حسرة المتهاونين بالصلاة ..

أخي الحبيب !

إن من أسباب سعادتنا ، وحفظ الله لنا ، ورغد العيش الذي نعيشه أن نحافظ على عهد الله في الصلاة ، وأن نتواصى بها .

يقول لقمان عليه السلام وهو يوصي ابنه : ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [ لقمان:17] .

فهل من مصلٍّ ؟

هل من مؤدٍّ للصلاة في أول وقتها ؟..

هل من حريصٍ على تلك الشعيرة العظيمة ؟

طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة الفجر ، ففاتته ركعة واحدة ، غلبة الدم ، وحمل على أكتاف الرجال ، ووصل إلى بيته فقال : هل صلّيتُ ؟

قالوا : بقي عليك ركعة .

فقام يصلي فأغمي عليه ، ثم عقد الصلاة فأغمي عليه ، وهكذا حتى أتمَّ الركعة .

فقال : الحمد لله الذي أعانني على الصلاة ..

الله الله في الصلاة .. أما إنه لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة ([4]) ...

قال الإمام أحمد رحمه الله : إنما حظهم – أي الناس – على قدر حظهم من الصلاة ، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة .

 

ترك المحرمات

والصلاة الحقيقية ناهية لصاحبها عن الوقوع فيما حرَّم الله تعالى ، ولن يستمر المصلي على معصية ما دام يؤدي الصلاة عبادة لله وعلى الصفة المشروعة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( إن فلاناً يصلي بالليل ، فإذا أصبح سرق . قال : (( إنه سينهاه ما يقول )) [ رواه أحمد وابن حبان ] ([5]) .

فاتق الله – أخي المسلم – وحافظ على صلاتك ، واجعل لها تأثيراً في حياتك وتوجيهاً لك نحو الأفضل ، ومنعاً لك من الفواحش والمنكرات وسائر المعاصي والمخالفات .

نسأل الله أن يجعلنا من المحافظين على الصلاة ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

 

 

سجين

ينتظر الفرج

 

إعداد

القسم العلمي بمدار الوطن

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد ...

ما أحوجك أخي السجين إلى صبر يهون عليك مصابك ، وييسر عليك أمرك ، ويخفف من محنتك .

والصبر – أخي السجين – هو حبس النفس عن الجزع ، واللسان عن الشكوى ، والجوارحِ عن فعل ما يدلّ على اليأس والتسخط .

الصبر – أخي السجين – يجعلك ساكناً في جوّ مضطرب مائجٍ بأنواع الفتن والبلايا .

الصبر يمدك بالأمل والرجاء والتفاؤل ، ويجعلك تتطلع إلى الفرج القريب في أحلك الظروف والمواقف والحوادث .

واصبر على الدهر إن أصبحت منْغمِراً
 


 

بالضيقِ في لُججٍ تهوي إلى لُججِ
 

فما تجرَّع كأس الصبرِ معتصمٌ

 


 

باللهِ ألا أتاه اللهُ بالفرجِ
 

لا تيأسنَّ إذا ما ضقت من فرجٍ

 


 

يأتي به اللهُ في الروحاتِ والدُّلجِ
 

وإن تضايق بابٌ عنك مرتتجٌ

 

 

فاطلب لنفسك باباً غير مرتتجِ
 

 

أخي السجين ! ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل:62] .

من الذي يكشف الضرّ ؟

من الذي يزيل الهموم والغموم ؟

من الذي يغيث الملهوف ؟

من الذي ينجِّي من المهالك والحتوف ؟

من الذي ينصر المظلوم ؟

من الذي يرحم المكلوم ؟

من الذي يشفي السقيم ؟

من الذي يغفر الذنب العظيم ؟

من الذي بيده الإطلاق والفكاك ؟

إنه الله تبارك وتعالى ... إنه الواحد الأحد ... الفرد الصمد .. الذي لم يلد ولم يولد .. ولم يكن له كفواً أحد ..

قال تعالى : ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾  [لنجم:58].

وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: من الآية2، 3] ز

وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾  [الطلاق: من الآية4]

وقال تعالى : ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق: من الآية7]  

وقال تعالى : ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾ [ الشرح:5] .

قال ابن عباس : لن يغلب عسر يسرين .

فيا من وقعت في ضيق ؛ الجأ إلى الله ، فإن مع العسر يسراً .

ويا من أصابتك مصيبة ؛ اصبر واحتسب ، فإن مع العسر يسراً .

ويا من أصبتك الهموم والغموم والأحزان ، افزع إلى الرحيم الرحمن ، فإن مع العسر يسراً ([1]) .

أخي !

صبراً جميلاً ما أسرع الفرجا
 

 

من صدق الله في الأمور نجا
 

من خشي الله لم ينلْه أذى
 

 

ومن رجاه كان حيث رجا
 

 

 

أنواع الصبر

والصبر – أخي – أنواع ثلاثة : صبر على طاعة الله ، وصبر عن معصية الله ، وصبر على أقدار الله ، ومرجع هذا أن الإنسان في هذه الدنيا بين ثلاثة أحوال : بين أمرٍ يجب عليه امتثاله ، وبين نهي يجب عليه اجتنابه وتركه ، وبين قضاء وقدر يجب عليه الصبر فيهما ، وهو لا ينفعك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً ، وهو محتاج إلى الصبر في كل واحدٍ منها ، وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان ابنه في قوله : ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [ لقمان:17] .

فمعنى الصبر إذن : حبس النفس على طاعة الله ، وحبسها عن معصية الله ، وحبسها إذا أصيبت بمعصية عن التسخط وعن الجزع ومظاهره : من شق الجيوب ، ولطم الخدود ، والدعاء بدعوى الجاهلية .

 

الصبر على الطاعات

أما الصبر على الطاعات فهو صبر على الشدائد ؛ لأن النفس بطبعها تنفر من كثير من العبادات؛ لإيثارها الراحة والكسل، فالطاعة تحتاج إلى مجاهدة وصبر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((حفت الجنة بالمكاره)) [ متفق عليه ] أي الأمور التي تكرهها النفوس وتشق عليها .

 

الصبر عن المعاصي

الصبر عن المعاصي يكون بحبس النفس عن متابعة الشهوات ، وعن الوقوف فيما حرم الله ، والنفس تحتاج إلى صبر ؛ لأن الشهوات محببة إلى النفوس ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (( وحفَّت النار بالشهوات )) [ متفق عليه ] .

 

الصبر على البلاء

وأما الصبر على البلاء فقد قال تعالى : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:155]. ويكون هذا الصبر بحبس اللسان ، والقلب والجوارح عن الشكوى والتسخط وفعل ما يدل على الجزع وعدم الرضى ([2]) .

 

السجن ليس نهاية الطريق

لا تنظر – أخي – إلى سجنك على أنه موطنك الذي لابدَّ أن تأوي إليه ، وترجع إليه مهما تغربت عنه ؛ بل انظر إليه على أنه محطة عابرة نزلت فيها عن طريق الخطأ ، ولا يمكن أن تعود إليها مرة أخرى ، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .

ولا تنظر إلى سجنك على أنه أعظم المصائب التي لا يمكن الصبر عليها ، ولكن انظر إلى ما أصيب به غيرك ، فستجد أن مصيبتك تمثل نقطة في بحرٍ بالنسبة لما أصيب به هؤلاء ..

أنت الآن في السجن .. ولكنك معافي في صحة جيدة ، سليم الجوارح والأعضاء .. وسوف تخرج إن شاء الله قريباً ...

فكيف بك لو كنت مشلولاً لا تغادر كرسيّك المتحرك .. كيف لو أصبت في حادث فبترت أعضاؤك .. كيف لو أصبت بالأمراض الخبيثة التي لا يُرجى معها الشفاء ؟! كيف لو كان سجنك مدى الحياة ؟ .. كيف لو كنت ممن حكم عليهم بالقتل قصاصاً أو تعزيراً ..

إذا استشعرت ذلك – أخي – فسوف تهون عليك مصيبتك ، وتسهل عليك بليتك ، وترضى عن ربك فيما قضى عليك وقدّر .

قال ابن الجوزي : (( من نزلت به بلية فأراد تمحيقها ؛ فليتصورها أكبر مما هي عليه تهن . وليتخايل ثوابها ، وليتوهم نزول أعظم منها ، ير الربح في الاقتصار عليها . وليتلمح سرعة زوالها ، فإنه لولا كربُ الشدة ما رجيت ساعة الراحة . وليعلم أن مدة مقامها عنده كمدة مقام الضيف ، فليتفقَّد حوائجه في كل لحظة ، فيا سرعة انقضاء مقامه ! ويا لذة مدائحه وبشره في المحافل ووصف المضيف بالكرم ! .

فكذلك المؤمن في الشدة ، ينبغي أن يراعي الساعات ، ويتفقد فيها أحوال النفس ، ويتلمح الجوارح ؛ مخافة أن يبدو من اللسان كلمة ، أو من القلب تسخّط ، فكأنْ قد لاح فجر الأجر ، فانجاب ليلُ البلاء ، ومُدح الساري بقطع الدجى ، فما طلعت شمس الجزاء ، إلا وقد وصل إلى منزل السلامة ([3]) ))  .

 

عجباً لأمر المؤمن

عن صهيب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير له ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن ، إن أصابته سراءُ شكر فكان خيراً له ، وإن أصلبته ضراء صبر ، فكان خيراً له )) [ رواه مسلم ] .

فمن مثلك أخي – إن كنت مؤمناً – والخير كله في كافة أحوالك ، ومختلف شؤونك ، إذا شكرت على السراء ؛ زادك الله من فضله ، كما قال سبحانه : ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: من الآية7] ، وأعطاك ثواب الشاكرين ، كما قال : ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾[ آل عمران: من الآية145] .

وإذا صبرت على الضراء ؛ خفف الله عنك مصابك ، ورفع قدرك ، وأعطاك ثواب الصابرين . قال تعالى : ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:111]

فلماذا تحزن أخي وفي كل ما يقدره الله عليك خير وأجر وفوز وفلاح .

إن سجنك هذا يمكن أن يكون بداية انطلاق نحو النجاح والهداية والاستقامة والعمل الصالح الذي ينفعك وينفع الناس ، فقد قال بعض السلف : إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار ، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة !!

قالوا له : كيف ؟

قال : يعمل الحسنة فلا يزال يتكبر بها ، ويتعاظم على عباد الله ، ويدلُّ بها على الله عزَّ وجلَّ ، فلا تقبل منه حسناته ، وترجح عليها سيئاته فيدخل النار ! .

ويعمل السيئة فيظل نادماً خائفاً باكياً طالباً من الله الغفران ، فيغفر الله له ذنوبه ، ويبدل سيئاته حسنات فيدخل الجنة .

فاجعل من سجنك – أخي – دليلاً لك إلى الجنة ، وإياك أن تصرّ على المعصية التي أوردتك هذا المورد فتهلك مع الهالكين .

 

 

 

انتظار الفرج

أخي السجين .. انتظار الفرج عبادة غفل عنها كثير من الناس ، ففي الحديث عن الترمذي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أفضل العبادة انتظار الفرج )) .

تقول العرب : (( إذا اشتدَّ الحبلُ انقطع ..

والمعنى : إذا تأزمت الأمور ، فانتظر فرجاً ومخرجاً ..

وقد قيل :

اشتدي أزمة تنفرجي
 

 

قد آذن صبحك بالبلجٍ
 

 

أخي !

صبحُ المهمومين والمغمومين لاح ، فانتظر الصباح ، وارتقب الفتح مع الفتاح . قال تعالى : ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: من الآية81] .

قال الشاعر :

سأصبر للزمان وإن رماني
 

 

بأحداث تضيق بها الصدور
 

وأعلم أن بعد العسر يسراً
 

 

يدور بها القضاء المستديرُ
 

 

وفي الحديث الصحيح : (( أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء )) .

قال تعالى : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:110] .

وقال تعالى : ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [لأعراف: من الآية56] .

وفي الحديث الصحيح : (( واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً )) .

قال الشاعر :

إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً
 

 

فأقرب الأمر أدناه من الفرج
 

 

وقال آخر :

رأيت العسر يتبعه يسار
 

 

وقول الله أصدق كل قيلِ
 

فلا تجزع وإن أعسرت يوماً
 


 

فقد أيسرت في دهرٍ طويلٍ
 

ولا تظن بربك ظن سوء

 

 

فإن الله يأتي بالجميلِ
 

 

 

 

السجن بين المحنة والمنحة

أخي السجين ! إذا نظرت إلى السجن على أنه محنة فقط ، أورثك ذلك الهموم والغموم وضيق الصدر ، ولكني أدعوك إلى تجاوز هذه النظرة الضيقة ، وذلك بأن تنظر إليه على أنه منحة وتفضل من الله عزَّ وجلَّ عليك ..

قد تستغرب –أخي– هذا الكلام ، ولكن دعني أشرح لك مرادي ، وأبين لك مقصدي..

ماذا لو تركك الله عزَّ وجلَّ سائراً في طريق الغواية والضلال حتى متَّ على ذلك ؟! .

ماذا لو كانت نهايتك رصاصات أطلقها عليك رجال الأمن وأنت تقاومهم ؟

ألست الآن في السجن تقرأ هذا الكلام ، وتراجع نفسك وحساباتك .

ألا يمكن الآن أن تقرر تغيير مسار حياتك ، وتصبح إنساناً صالحاً نافعاً لدينه وأمته ؟

أليس وجودك في السجن هو السبب في التفكير والتغيير ؟

أليس حرمانك من الحرية يدفعك إلى المحافظة عليها بعد خروج من السجن ؟! إذن فالسجن ليس شرّاً محضاً ؛ بل قد يكون فيه من الخير ما ينفع صاحبه في دنياه وآخرته .

 

مفاتيح الفرج والنجاة

قال ابن القيم رحمه الله : (( أساس كل خيرٍ أن تعلم أن ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن.. فتتيقَّن حينئذٍ أن الحسناتِ من نعمِه، فتشكره عليها، وأن السيئات من خُذلانه وعقوبته ، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها ، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك .

وقد أجمع العارفون على أن كلَّ خير فأصله بتوفيق الله للعبد ، وكلّ شرٍّ فأصله خذلانه لعبده .

وأجمعوا على أن التوفيق هو : ألا يكلك الله إلى نفسك ، وأن الخذلان هو : أن يخلي بينك وبين نفسك .

فإذا كان كل خير فأصله التوفيق ، وهو بيد العبد ، فمفتاحه الدعاء والافتقار ، وصدق اللجأ ، والرغبة ، والرهبة إليه ، فمتى أعطي العبد هذا المفتاح ؛ فقد أراد أن يفتح له ، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجّاً دونه ([4]))) .

فابحث – أخي – عن مفاتيح الفرج والنجاة ، واجتهد في الحصول عليها ، ومن تلك المفاتيح : الدعاء ، والافتقار ، وصدق اللجأ ، والرغبة والرهبة ، والتوكل على الله ، والصبر ، والصلاة ، وذكر الله عزَّ وجلَّ والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ، كل ذلك من مفاتيح الفرج والنجاة ، نسأل الله أن يفرج عنك ما أنت فيه ، وأن يجعل لك بعد عسرك يسراً ، وأن يهون عليك ما أنت فيه ، ويكتب لك به المثوبة والأجر .

هون عليك فكلُّ الأمر ينقطع
 


 

وخلِّ عنك عنان الهمِّ يندفعُ
 

فكلُّ همٍّ له من بعده فرجٌ

 

 

وكلُّ أمرٍ إذا ما ضاق يتسعُ
 

إن البلاء وإن طال الزمن به
 

 

فالموتُ يقطعه أو سوف ينقطعُ([5])
 

 

 

 

 

 

قصصٌ

من وراء القضبان

 

إعداد

القسم العلمي بمدار الوطن

 

 

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : ...

فإن القصة إذا كانت ذات معنى شريف ، ومغزى لطيف ، وغاية محمودة ، أثرت – ولا شك – في قارئها أو المستمع إليها ، ونظراً لحال إخواننا السجناء – فك الله أسرهم بمنه وكرمه – جمعنا لهم بعض القصص التي تقوي صبرهم ، وتمدّهم بالأمل والرجاء والتفاؤل ، وتزرع في نفوسهم الرضى عن الله عزَّ وجل ، وتنفي عنهم الضيق والهم والحزن والوساوس الشيطانية ..

 

(1)  الخلطة الإيمانية

يروى أن أنوشروان حبس بُزُر جمهر الحكيم – وكان وزيره – لمّا غضب عليه ، حبسه في بيت كالقبر ظلمةً وضيقاً . وجعل الحديد في يديه ورجليه .. وألبسه الخشن من الصوف .. وأمر أن يكون زاده كل يومٍ قرصين من خبز الشعير اليابس ، وكفّ ملحٍ ، وشربة ماءٍ لا يزاد عن ذلك ..

وأمر أنوشروان أن تُحصى ألفاظه فتنقل إليه.. فأقام بزر جمهر شهوراً لا يُسمع له كلمة..

فقال أنوشروان : أدخلوا إليه أصحابه .. ومروهم أن يسألوه ويفاتحوه الكلام ، واسمعوا ما يجري بينهم وعرِّفونيه ..

فدخل إليه جماعة من المختصين به فقالوا : أيها الحكيم .. نراك في هذا الضيق والحديد والصوف والشدة التي دُفعت إليها .. ومع هذا فإنَّ سِحنة وجهك وصحة جسمك على حالهما لم يتغيرا .. فما السبب في ذلك ؟

فقال بزر جمهر : إني عملت طعاماً من ستةِ أخلاط .. آخذ منه كل يوماً شيئاً .. فهو الذي أبقاني على ما ترون ..

قالوا : صِفْ لنا هذا الطعام .. فعسى أن نبتلى بمثل بلواك .. أو أحدٌ من إخواننا فنصفهُ له أو نستعمله ..

قال : الخلطُ الأول : الثقة بالله تعالى .

الخلط الثاني : علمي بأن كل مقدورٍ كائن .

الخلط الثالث : الصبر خير ما استعمله الممتحن .

الخلط الرابع : إن لم أصبر ، فأي شيءٍ أعمل ؟!

الخلط الخامس : قد يمكن أن أكون في شرٍّ مما أنا فيه .

الخلط السادس : من ساعة إلى ساعة فرج ..

فيا أخي !

إذا اشتملت على اليأس القلوب
 


 

وضاق لما به الصدر الرحيبُ
 

وأُوطنت المكاره واطمأنت

 


 

وأرست في أماكنها الخطوبُ
 

ولم تر لانكشاف الضرِّ وجهاً

 


 

وقد أعيا بحيلته الأريبُ
 

أتاك على قُنوطٍ منك غوثٌ

 


 

يمنُّ به اللطيف المستجيبُ
 

فكلُّ الحادثاتِ وإن تناهت

 

 

فمقرونٌ بها فرجٌ قريب ُ
 

 

 

(2)  أتاك الفرج

قيل إن عبيد الله بن زيادٍ أُتي برجلٍ فشتمه وقال : أحروريٌّ أنت – أي هل أنت من الخوارج –

قال الرجل : لا والله ما أنا لحروري .

فقال ابن زياد : أما والله لأفعلنَّ بك ، ولأصنعن بك كذا وكذا ... ثم قال : انطلقوا به إلى السجن .. فانطلقوا به .. فلما ولَّى سمعه ابن زيادٍ وهو يهمس بشيءٍ .. فرده وقال له : ماذا قلت ؟ ..

قال : قلت بيتين من الشعر ..

قال ابن زياد : إنك لفارغ ! أنت قلتهما أم شيء سمعته ؟

قال : بل أنا قلتهما .

قال : ما قلت :

قال :

عسى فرجٌ يأتي به الله إنه
 


 

له كل يوم في خليقته أمر
 

إذا اشتدَّ عسرٌ فارج يسراً فإنه

 

 

قضى الله أن العسر يتبعه يسرُ
 

 

 فسكت ابن زياد ساعة ثم قال : قد أتاك الله عزَّ وجلَّ بالفرج .. خلوا سبيله ! ..

إضاءة

قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس : (( يا غلام ! احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف )) [ رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني ] .

 

(3)  لا تيأس

قال يعقوب بن داود : لمَّا حبسني المهدي في بئر .. وبنى عليَّ قُبَّةً .. فمكثتُ فيها خمس عشرة سنة .. حتى مضى صدرٌ من خلافة الرشيد .. وكان يُدلَّى لي في كل يومٍ رغيف وكوز ماءٍ .. وأوذنُ بأوقاتِ الصلاة .. فلما كان في رأس ثلاث عشرة حجّة .. أتاني آتٍ في منامي فقال :

حَنَا على يوسف ربٌّ فأخرجه
 

 

من قعْرِ بئرٍ وجُبٍّ حوله غممُ
 

 

قال : فحمدتُ الله تعالى وقلت : أتى الفرج .. فمكثتُ حولاً لا أرى شيئاً .. فلما كان الحول الثاني أتاني ذلك الآتي فقال :

عسى فرجٌ يأتي به الله إنه
 

 

له كل يومٍ في خليقته أمر
 

 

ثم أقمتُ حولاً لا أرى شيئاً .. ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول الثالث فقال :

عسى الكربُ الذي أمسيت فيه
 


 

يكون وراءه الفرج القريب
 

فيأمن خائفٌ ويفك عانٍ

 

 

ويأتي أهله الرجلُ الغريبُ
 

 

فلما أصبحت نوديت .. فظننتُ أني أُوذنُ بالصلاة .. ودُلّي لي حبلٌ .. فقيل : شُدَّ به وسطك .. ففعلتُ ما قالوا ... وأخرجوني من البئر .. فلما تأملت الضوء ذهب بصري .. فانطلقوا بي .. فلما دخلت على الرشيد .. قيل لي : سلِّمْ على أمير المؤمنين .. فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمه الله وبركاته المهديّ ..

قال : من أمير المؤمنين ؟

قلت : المهديّ ..

قال : لستُ به ..

قلت : السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين الرشيد .

فقال الرشيد : يا يعقوب بن داود ! إنه – والله – ما شَفَعَ إليَّ فيك أحد .. غير أني حَملتُ البارحة صبيةً لي على عنقي .. فذكرتُ حمْلك إياي على عنقك .. فرثيتُ لك من المحل الذي كنت فيه فأخرجتُك ..

قال : ثم أكرمني وقرَّب مجلسي ..

فتنكّر لذلك يحي بن خالد .. كأنه خاف أن أغلب على الرشيد دونه .. فخفتُه .. واستأذنتُ في الحجّ .. فأُذن لي .. ولم أزل مقيماً بمكة ..

ومضة

قال تعالى : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ النمل:62] .

 

(4)  اطلب حاجتك من وجهها

أخذ عبيدالله بن زياد ابن أخي صفوان بن محرز .. فحسبه في السجن .. فلم يدع صفوان شريفاً بالبصرة يرجو منفعته إلا كلمة في شأن ابن أخيه .. فلم ير لحاجته نجاحاً .. فغاب في مصلاه حزيناً .. فإذا آتٍ قد أتاه في منامه فقال : يا صفون ! قم فاطلب حاجتك من وجهها . فانتبه صفوان فزعاً .. فقام فتوضأ ثم صلَّى ودعا.. فأرِق ابن زيادٍ ولم يستطع النوم .. فقال: عليَّ بابن أخي صفوان بن محرز .. فجاء الحرس .. وجيء بالنيران .. وفتحت تلك الأبواب الحديد في جوف الليل .. فقيل : أين ابن أخي صفوان بن محرز ؟ .. أخرجوه .. فأخرج .. فأتي به إلى ابن زياد .. فكلمه ثم قال : انطلق بلا كفيل ولا شيء .. فما شعر صفوان حتى ضرب عليه ابن أخيه بابه .. قال صفوان : من هذا .. قال ابن أخيه : أنا فلان !!

ذكرى

قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما أصاب أحداً همٌّ ولا حزنٌ فقال : اللهم إني عبدك، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيَّ حكمُك ، عدلٌ فيَّ قضاؤك ، أسألك بكل اسمٍ هو لك ، سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي ؛ إلا أذهب الله همه وحزنه ، وأبدله مكان حزنه فرحاً – وفي رواية : فرجاً )) فقيل: يا رسول الله! ألا نتعلمها ؟ قال: ((بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها)) [رواه أحمد وصححه الألباني ] .

 

(5)  دعاء الكرب

نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن أبي بكرٍ الرازي قال : كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث ، وهناك شيخ يقال له : أبو بكر بن علي .. عليه مدار الفتيا .. فسُعي به عند السلطان فغضب عليه وحبسه ...

فقال أبو بكر الرازي : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام .. وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر .. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : (( قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرّج الله عنه )) .

قال : فأصبحت .. فأخبرته .. فدعا به .. فلم يكن إلا قليلاً حتى أخرج ..

دعاء الكرب

 * عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب : (( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ، ورب الأرض ، ورب العرش الكريم )) [ متفق عليه ] .

 * وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال : يا حيّ يا قيوم ، برحمتك أستغيث )) [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] .

 وعن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( دعوات المكروب : اللهم رحمتك أرجو ، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله ، لا إله إلا أنت)) [ رواه أبو داود وهو في صحيح الكلم الطيب ] .

* وعن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت  : ﴿ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [ الانبياء: من الآية87 ].لم يدع بها رجلٌ مسلم في شيء قط إلا استجيب له )) [ رواه الترمذي– صحيح الكلم الطيب ] .

 

(6)  ساعة إلى ساعة فرج

قال سليمان بن وهب الحارثي : أصبحت يوماً وأنا في حبس محمد بن عبدالملك الزيات في خلافة الواثق آيسُ ما كنت من الفرج .. وأشدَّ محنةً وغمّاً .. حتى وردت عليَّ ورقةُ أخي الحسن بن وهب .. وفيها شعر بعد رسالة :

خطْبٌ أبا أيوب جلَّ محلُّه
 


 

فإذا جزعت من الخطوب فمن لها
 

إن الذي عقد الذي انعقدت به

 


 

عُقدُ المكاره فيك يُحسنُ حلَّها
 

فاصبر فإن الله يُعقبُ راحةً

 


 

ولعلها أن تنجلي ولعلها
 

وعسى تكون قريبةً من حيث لا

 

 

ترجو ويمحو عزُّ جدّك ذلَّها
 

 

قال : فكتبت إليه :

صبَّرتني ووعظتني وأنا لها
 


 

وستنجلي بك لا أقول لعلها
 

ويحلُّها من كان صاحبُ حلَّها

 

 

ثقةً به إذا كان يُحسنُ حلها
 

 

قال : فلم تكن العتمة من ذلك اليوم إلا وأنا في داري مُطلقاً ..

 

آيـة

قال تعالى : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ [الزمر:53، 54 ] .

روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سعيد البقال قال : كنت محبوساً في ديماسِ([1]) الحجاج .. ومعنا إبراهيم التميمي .. فبات في السجن .. فقلت : يا أبا أسماء ! في أي شيءٍ حُبست ؟

قال : جاء العريف فتبرَّأ مني وقال : إن هذا يكثر الصلاة والصوم .. فأخاف أن يكون يرى رأي الخوارج .. قال : والله إنا لنتحدث عند مغيب الشمس .. إذا نحن برجلٍ قد دخل علينا السجن ..

فقلنا : يا عبدالله ! ما قصَّتُك ؟ .. وما أمرك ؟..

قال : لا والله ما أدري .. ولكني أظنُّ أُخذت في رأي الخوارج .. ووالله إنه لرأيٌ ما رأيته ولا هويتهُ . ولا أحببتُ أهله .. يا هؤلاء ! ادعوا إليَّ بوضوء .. قال : فدعونا له بماءٍ فتوضأ . ثم قام فصلى أربع ركعاتٍ فقال : اللهم إنك تعلم أني على إساءتي وظلمي وإسرافي أني لم أجعل لك والداً ولا نداً ولا صاحبةً ولا كُفُوراً .. فإن تعذب فعبدك .. وإن تغفر فإنك أنت العزيز الحكيم ..

اللهم إني أسألك يا من لا يغلطُه المسائل .. ويا من لا يشغله سمعٌ من سمعٍ .. ويا من لا يُبرمه إلحاحُ الملحين أن تجعل لي في ساعتي هذه فرجاً ومخرجاً .. من حيث أحتسب .. ومن حيث لا أحتسب .. ومن حيث أعلم .. ومن حيث لا أعلم .. ومن حيث أرجو .. ومن حيث لا أرجو .. وخذ لي بقلب عبدك الحجاج وسمعه وبصره ولسانه ويده ورجله .. حتى تخرجني في ساعتي هذه .. فإن قلبه وناصيته في يدك .. أي ربِّ ! أي ربِّ ! أي ربِّ ! ..

قال : فأكثر والله الذي لا إله غيره .. فما قطع دعاءه إذ ضُرب باب السجن : أين فلان ؟ .. فقام صاحبنا فقال : يا هؤلاء .. إن تكن العافية فوالله لا أدع الدعاء ... وإن تكن الأخرى فجمع الله بيني وبينكم في رحمته .. قال : فبلغنا من غدٍ أنه خُلي عنه ..

ولربَّ نازلة يضيق بها الفتى
 


 

ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
 

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

 


 

فُرجت وكان يظنها لا تفرجُ
 

لا تيأسنَّ فكلُّ عسرٍ بعده

 


 

يسرٌ يُسرُّ به الفؤاد المحرجُ
 

واصبر فإن الصبر في الدنيا إلى

 

 

نيل المنى والقصد نعم المنهجُ
 

 

 

* المصادر : الفرج بعد الشدة للتنوخي – أنس المسجون وراحة المحزون لصفي الدين عيسى بن البحتري الحلبي – كتاب مجابي الدعاء لابن أبي الدنيا .

 

 

 

أخي السجين

تستطيع أن تكون

 

متميزاً

 

إعداد

القسم العلمي بمدار الوطن

 

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : ...

فإن بعض السجناء – هداهم الله – يظنون أن وجودهم داخل السجن يعفيهم من كافة مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وأهليهم وأصدقائهم ، ومجتمعهم ، وبعضهم يظن أن القلم قد رفع عنه ، فلا يؤدي عبادة ، ولا يأمر بمعروف ، ولا ينهى عن منكر ، ولا يقوم بأي عمل نافع له أو للآخرين .

صحيح أن السجن يمنع الشخص من مزاولة بعض الأعمال النافعة ، ولكن هناك العشرات ؛ بل المئات من الأعمال النافعة يستطيع السجين أن يؤديها ويقول بها على خير وجه ..

وفي هذه الورقات سوف نعرض لبعض الأعمال والعبادات والمهارات التي يستطيع السجين اكتسابها وتأديتها وهو داخل السجن ، وبهذا يدلّل السجين على أنه استفاد من خطئه ، وندم عليه ، وعزم على عدم العودة إليه في المستقبل ؛ لأن له اهتمامات أخرى مفيدة لم يتركها حتى وهو داخل السجن .. ومن ذلك ...

 

لماذا خلقت ؟

إنما خلقت أخي لأمر عظيم ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذريات:56] .

وإذا ما خلقت – أخي – للعبادة ، فكيف تسمح لنفسك أن تأتي الأفعال الخبيثة وترتكب الجرائم المشينة من قتلٍ وسرقة وزني وغش ورشوة وغير ذلك ..

قد هيؤوك لأمرٍ لو فطنت له
 

 

فاربأ بنفسك أن ترعى مع المهملِ
 

 

 والعبادة – أخي – هي لفظة جامعة لكل ما يحبّه الله تعالى من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ؛ فالصلاة والصوم والزكاة كل ذلك عبادة ، وكذلك الخوف والرجاء والتقوى والورع والحياء كلها أيضاً عبادات قلبية .

ومن العبادات كذلك حسن معاشرة الزوجة ، وحسن تربية الأبناء ، والإنفاق عليهم من الحلال ، والسعي في مصالح الأهل والأبناء والوالدين .

والواجب على المسلم ألا يفرط في حقوق ربه ، ولا في حقوق الناس ؛ بل يعطي كل ذي حق حقّه ..

وأعظم العبادة توحيد الله عزَّ وجلَّ وعدم الإشراك به. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا معاذ! أتدري ما حقّ الله على العباد،وما حقّ العباد على الله؟فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئاً ، وإن حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)) [ متفق عليه ] .

 

حق الوالدين

حق الوالدين عليك أخي كبير ، وقد ذكر الله تعالى حقهما بعد حقِّه مباشرة حيث قال : ﴿ * وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ [الإسراء: من الآية23] .

وقال تعالى : ﴿ *وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء: من الآية36]

، وقال : ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً  [الإسراء: من الآية23] .

وليس معنى أنك في السجن – أخي – أن تنسى والديك ؛ بل إن عليك أن تتواصل معهما بالرسائل ، وبالهاتف ، عند زيارتهما لك .. عليك أن ترضيهما وتخبرهما أن هذا الخطأ الذي حدث منك لن يتكرر مرة أخرى ، عليك أن تفرحهما كما أحزنتهما ، وتطلب منهما العفو والمسامحة ..

 

الزوجة والأبناء

أسرة السجين ، تلك الأسرة المظلومة بلا ذنب .. لا نريد أن نقلب عليك أخي المواجع ولكن ليس معنى هذا أن تنسى أسرتك ، وتتنكر لها ، وتظن أنك غير مسؤول عنها ؛ بل إنك المسؤول عن كل معاناة يعانونها ، وعليك أن تخرجهم من هذه المعاناة ، وذلك بما يلي :

  1. أشعر زوجتك وأبناءك باهتمامك بهم وسعيك في إخراجهم من الجو المظلم الذي يعيشونه .
  2. أشعرهم بتوبتك وندمك على ما كان منك ، وأن هذا الخطأ لن يتكرر .
  3. حاول أن تكسب ثقتهم التي اهتزت بعد دخولك السجن .
  4. تواصل معهم دائماً بالرسائل أو عبر الهاتف وأشعرهم أنك لازلت بينهم .
  5. حاول أن تنفق عليهم وأنت في السجن حتى لا تعرضهم للسؤال ، ويمكن لك أن تعمل في الأعمال التي توفرها لك إدارة السجون .
  6. اجعل الأخبار الطيبة تصلهم عنك باستمرار ، من حسن سيرك وسلوكك ومواظبتك على الصلاة وحفظ القرآن ، وتعاونك مع إدارة السجن وزملائك فيما فيه الخير والمصلحة للجميع .
  7. ازرع في نفوسهم الصبر والرضى ، حتى يأذن الله لك بالخروج لتحمل مسؤولياتك .
  8. كن حكيماً في معالجة الأخطاء التي تصدر من زوجتك وأبنائك وأنت في السجن ، واجعلهم يستشعرون مراقبة الله أولاً .

 

الصحبة

والصحبة – أخي – لها تأثير مهم على مسار حياتك.. فإن كثيراً من أهل السجون، كان ورودهم عليها بسبب الصحبة السيئة ، فالصاحب ساحب كما يقولون ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تصاحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا تقي)) [ رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني].

ويقول صلى الله عليه وسلم : (( المرء على دين خليله ؛ فلينظر أحدكم من يخالل )) [ رواه الترمذي ] .

فإياك أخي أن تصحب الأشرار ، فإن صحبتهم هلاك تؤدي إلى البوار ، فإنهم كالشياطين يصدون عن سبيل الله ، ويزينون الأفعال القبيحة والجرائم الشنيعة ، ويستهزئون بالعبادات والطاعات وأصحابها من أهل الدين والاستقامة ..

فكم لهؤلاء من ضحايا في السجون والإصلاحيات ؛ بل وفي القبور !

فيا أخي الحبيب ! فرّ من هؤلاء فرارك من الأسد .

أما من معك في السجن ، فكن قوي الشخصية معهم ، واضح التوجه بينهم ، انصح لهم ، وعظهم ، وقل لهم قولاً معروفاًَ ، ومرهم بالمعروف ، وانههم عن المنكر ، ولا تسترسل معهم في باطلهم ، وإن كان لابد من وجودك معهم بحسب وضعك في السجن ، فكن حاضراً بجسمك غائباً بروحك وقلبك وفكرك ، حتى يأذن الله لك بالفرج القريب .

 

الانضباط

عليك أخي بالانضباط داخل السجن ، وكن قدوة حسنة لزملائك ، ولتكن لك عبرة بما جرى ، فالسعيد من وعظ بغيره ، فكيف لا يتعظ بما جرى عليه هو ؟!

  • إياك والعنف مع زملائك .
  • لا تجعل لسانك ينطق إلا بالخير ، أما السباب واللعن والشتائم والفحش من القول ، فلا يصدر إلا من نفس ضعيفة وقلب فارغ .
  • لا تتعاون مع زملائك على الإثم والعدوان .
  • إياك وأعمال الشغب أو العبث أو التخريب أو إثارة الفوضى داخل السجن ، فكل ذلك لن يفيدك ؛ بل سيزيد من محنتك وعزلتك .
  • التزم بأنظمة وقوانين السجن التي ما وضعت إلا لمصلحتك ومصلحة المجتمع .
  • عليك باحترام القائمين على السجن من حراس ، وضباط وجنود ؛ لأن ذلك سيعود عليك بالفائدة .
  • إذا كانت لك شكاية أو مظلمة ، فحاول أن ترفعها إلى المسؤولين من خلال الطرق المحددة داخل السجن ، ولا تتجاوز تلك الطرق إلى أسلوب العنف والشدة الذي يؤدي إلى إهمال طلبك وعدم التعاطف مع قضيتك .

 

إدارة السجن

إن مهمة إدارة السجن – أخي – هي تنفيذ القوانين واللوائح التي وضعت لتنظيم تواجدك داخل السجن ، وهم أناس عاديون ، فيهم الآباء والأبناء والإخوان ، وهم يحبون الخير لك ، ويتمنون أن تصبح حرّاً طليقاً اليوم قبل غدٍ .

فلا تظن أخي أنهم يكرهون ، أو يحاولون إذلالك ، ولا تتعامل معهم بصفتهم أعداء لك ؛ بل اجعل نظرتك أكثر واقعية وشفافية ، وتعامل مع المسؤولين عنك بحب واحترام ، وسوف ترى منهم ما يرضيك ويثلج صدرك ولكن في حدود مسؤولياتهم ومهامهم .

ولكي تنجح أخي في التعامل مع إدارة السجن ، يحسن بك أن تفعل ما يلي :

  1. احترام منسوبي السجن ، وعدم إهانة أحد منهم .
  2. الالتزام بالقوانين والأنظمة طالما أنها وضعت للمصلحة .
  3. طاعة الأوامر في غير معصية .
  4. الالتزام بالمواعيد الموضوعة للطعام والشراب والنوم والاستيقاظ وغير ذلك .
  5. الحفاظ على أمتعة السجن وعدم إتلاف شيء منها .
  6. الاستئذان قبل القدوم على أي عمل داخل السجن .
  7. التخلق بالأخلاق الفاضلة والسلوكيات الحسنة .
  8. المحافظة على طاعة الله ، ومن أهم الطاعات : الصلاة لوقتها .
  9. المشاركة في الأنشطة والمسابقات التي تنظمها إدارة مصلحة السجون .
  10. مشاركة إدارة السجن في الحملات التي تنظمها لرفع مستوى السجون وإصلاح المساجين .

 

كن منتجاً

هناك مهن كثيرة توفرها إدارة مصلحة السجون ، يمكنك أخي أن تختار مهنة من هذه المهن المناسبة لك ، فتتعلمها وتتقنها حتى تكون قادراً على الإنفاق على نفسك وعلى من تعول وأنت في السجن ، ومن هذه المهن :

  1. إتقان مهنة النجارة .
  2. إتقان مهنة الحدادة والخراطة .
  3. إتقان مهنة الميكانيكا وإصلاح السيارات والأجهزة الكهربائية .
  4. إتقان الحاسب الآلي وصيانته .
  5. صناعة النسيج والمصنوعات اليدوية .
  6. الخطوط العربية وتصميم اللوحات .
  7. إكمال الدراسة ، وهناك من حصلوا على الماجستير ؛ بل والدكتوراه من داخل السجون .
  8. حفظ القرآن الكريم طاعة الله عزَّ وجلَّ ؛ علماً بأن حفظ القرآن الكريم في هذه البلاد المباركة له تأثير في تخفيف المدة عن المسجونين .

 

اغتنم وقتك

أخي أوصيك باغتنام وقتك ، فأنت محاسب عليه ، وليكن السجن فرصة لك ، تخلو فيها مع ربك ومع نفسك ، وتستفيد من وقتك ، واعلم أن الفراغ نعمة كبيرة يغفل عنها كثير من عباد الله . يقول صلى الله عليه وسلم : (( نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس : الصحة والفراغ )) [ رواه البخاري ] .

فاغتنم وقتك ، واجعل وجودك في السجن منفعة لك ، وربّ ضارة نافعة ، ولو علمة كيف كان السلف يحرصون على استغلال أوقاتهم لأدركت مدى تفريط الناس اليوم في شيء عظيم لا يقدر بثمن .

واعلم أنك إن لم تشغل نفسك بما ينفعك ؛ شغلتك هي بما يضرك ([1]) ...

 

وصايا وإرشادات

  1. اصبر فإن الصبر مفتاح الفرج .
  2. توكل على الله : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: من الآية3] .
  3. افزع إلى الصلاة : كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
  4. أكثر من تلاوة القرآن : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: من الآية82] .
  5. الزم تقوى الله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: من الآية2] .
  6. احتسب الأجر عند الله تعالى .
  7. ارض بالقضاء .
  8. ابتسم للحياة بما فيها من منغصات .
  9. لا تغضب .
  10. تذرع بالأمل .
  11. كن صاحب همة عالية .
  12. استفد من تجارب الآخرين .
  13. اعتبر بما حدث لك ولغيرك .
  14. المؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرتين .
  15. أشغل نفسك بما هو مفيد من الأقوال والأعمال .
  16. تدرب على العفو والحلم والرحمة وسلامة الصدر .
  17. تحلَّ بروح المرح والتفاؤل ولين الجانب والموضوعية .
  18. تأمل في الأشياء وتفكر في مخلوقات الله .
  19. اعترف بخطئك ولا تجادل بالباطل .
  20. ابدأ يومك بالحب .
  21. راجع نفسك .
  22. لا تصحب الفجّار فتتعلم من فجورهم .
  23. عليك بالصدق .
  24. لا تملأ قلبك بالأحقاد .
  25. لا تكن بائساً ولا يائساً .
  26. كن متجدداً .
  27. تقبل النقد .
  28. لا تنتظر الأخبار السيئة .
  29. لا تحزن فعند اشتداد البلاء يأتي الرخاء .
  30. فكر جيداً قبل أن تفعل .
  31. تذكر نعم الله عليك .
  32. لا تكثر من الشكوى والتأوه .
  33. لا تسمح لأصدقاء السوء بالسيطرة على حياتك وأفكارك ومشاعرك .
  34. لا تقلق بشأن المستقبل فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .
  35. أسعد الآخرين تسعد .

وفي الختام أرجو لك أخي التوفيق والسداد ، وأن يعينك الله تعالى على ما أنت فيه ، وأن يعلي همتك ويجعلك مباركاً أينما كنت .

 

 

إدعم الموقع بنشر الموضوع مع أصدقائك