أعتقد أننا ما نزال في حاجة إلى تكرار سؤال نيوتن.. لماذا سقطعت تفاحة الحداثة إلى الأسفل ولم ترتفع إلى الأعلى؟

أعتقد أننا ما نزال في حاجة إلى تكرار سؤال نيوتن.. لماذا سقطعت تفاحة الحداثة إلى الأسفل ولم ترتفع إلى الأعلى؟

يقوم كتاب حكاية الحداثة على حتمية النسق الاجتماعي، كونه مثلاً وما يزال، قيمة التعارض بين القبول والرفض للمشروع الثقافي النهضوي، ولعل من نافلة القول، أن أوضح مفهوم النسق الاجتماعي ومداخلاته المبنية على فكرة البناء الاجتماعي التي ظهرت منتصف القرن التاسع عشر في كتابات (مونتسكيو) والتي أفرعت من خلالها مصطلح (النسق الاجتماعي)، فالبناء الاجتماعي عبارة مجموعة من الأنساق الاجتماعية، و(الأنساق الاجتماعية) عبارة عن الأجهزة أو النظم التي تتفاعل فيما بينها داخل إطار البناء الكلي الشامل و(النسق) عبارة عن عدد من النظم الاجتماعية مثل النظام الديني والاقتصادي والأسري، التي تتشابك وتتضامن فيما بينها في شكل رتيب منظم تهيئ للجماعة طابعها الخاص.

كما أن (النظام) عبارة عن قاعدة أو عدة قواعد منظمة للسلوك ومعبرة عن القيم التي يتفق عليها الأشخاص وتنظمها الجماعة، والتي تؤلف بدورها البناء الاجتماعي الشامل، الذي يحدد دور الفرد ووظيفته ومعايير تواجده الاجتماعي، كما يرى راد كليف براون (بتصرف)، وهكذا فالفرد يستمد مواقفه من تلك النظم، التي تؤلف فيما بينها وحدة متماسكة متسقة، وهي التي تمثل في جوهرها فكرة البناء الاجتماعي، وهذه الفكرة ليست بجديدة على النظام الاجتماعي في الإسلام، إذ أن النظام الاجتماعي في الإسلام يقوم وحدة النسق الاجتماعي، يقول رسولنا الكريم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) إذن النسقية الاجتماعية واضحة من خلال الصورة التي مثلها الرسول الكريم لعلاقات التشابك المتسقة بين وحدات المجتمع الإسلامي، وقوله صلى الله عليه وسلم، (المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد)، هذه البنائية الوظيفية في علم الاجتماع الإسلامي المؤسسة للمجتمع العضوي، نراها بوضوح بارزة في كتابات هربرت سبنسر في مجال تشبيه المجتمع بالكائن العضوي (أي بضاعتنا ردت إلينا)، ويقصد سبنسر، بالبنائية الوظيفية التوازن بين التساند الوظيفي والاعتماد المتبادل بين نظم المجتمع المتنامية والأصيلة في كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي. ووجود هذا التوازن هو ما يساعد المجتمع على الاندماج السوي في النسيج التطوري الجديد، والتناقض بين معطيات ذلك التساند هو ما يسبب الارتباك الوعي للمجتمع، وبالتالي تحول أي مشروع نهضوي إلى طفرة تتعلق بجدار النسق، فلا تضيف له، بل تسهم في كثافة نسيج الجدار، لتنعدم فرصة الاندماج، وبالتالي شراسة العضو الجديدة وفشل الطرفين في الاندماج، كما حدث أثناء الطفرة الحدثوية في المملكة.

إن الارتباك في البناء الواقعي للمجتمع، عادة ما يكون ناتج عوامل عدة، هي التي تسهم في اضطراب ارتباطية التساند بين النظم الاجتماعية الموجودة والمضافة، مثل عوامل الطفرة الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، فتحول المجتمع السعودي من مجتمع بدوي إلى مجتمع مدني، كان يعني تغيراً نوعياً في مؤسسات المجتمع ومفاهيمه وأشكاله، فالمجتمع المدني يقوم على القانون وأقصد أنا بالقانون هنا تراتبية النظم وأولياتها والعدالة والحقوق وتوحيد النظم الثقافية والتربوية التي تسهم في امتزاج المجتمع داخل بوتقة الانسجام الاجتماعي المتمسك بهوية المواطنة الواحدة داخل دولة لها أيديولوجية خاصة، تفرضها

على جماعة المجتمع لتوحدّها داخل نسيج واحد، كما أن المفاهيم والقيم تختلف من المجتمع البدوي إلى المجتمع المدني، فمفاهيم مثل مفهوم (الفرد، الاحتياج، القيمة، العملة، الاقتصاد، النفعية، لغة التعامل) في المجتمع المدني تأخذ طابعاً نفعياً عملياً، يتناسب مع طبيعة الثورة الاجتماعية التي تمثل مرحلة بناء حتمية في تطور المجتمع تكمن أسبابها في التناقضات التي يقوم عليها تساند البناء الاجتماعي والتصادم الناتج بين قوى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج والصراع بين الطبقات أثناء انتقال المجتمع من مرحلة اجتماعية اقتصادية إلى أخرى، ولعل هذا التحول للمفاهيم هو ما يدفع الراصد لمقادير التحول للدهشة والتوتر، مثلما حدث للغذامي وأصحابه عندما كانوا خارج المملكة، فأخبار الطفرة تسربت إليهم بشكل غير موافق لمدركهم السابق عن المجتمع، لزمن بدأت ملامحه تتدرج نحو تحول خاص، له ترميزاته، فيحكي الغذامي صور ذلك التحول المختلفة سواء عن طريق الخبر أو المشاهدة لمراقبة وتحليل المرحلة الجديدة، أو ما تسمى بالطفرة الاقتصادية، إذ وجد المجتمع نفسه فجأة في حالة من الوفرة المالية، فكان الرجل في تلك الفترة يصبح فقيراً ويُمسي ثرياً، ويصبح أكثر ثراء.

نتيجة ارتفاع أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً كما يقول تركي الحمد ويعبر الغذامي عن ذلك (وكان ذلك عام 1395هـ 1985م وكان صديقنا يحدثنا في الواقع عن الطفرة وهو الحدث الذي ما كنا نراه وما كنا نتوقعه).. ص150، إن حالة اللا متوقع هي التي أسهمت بعد ذلك في الموقف الخاص للغذامي ذاته وأتباعه من الانفصال عن التصور الجمعي، للمجتمع، وتستمر ردات فعل الدهشة حول اللا متوقع من أخبار قادمة من مجتمع، انقسمت صورته الآني عبر القادم، عن مرجعيته المختزنة في أذهان البعيدين عنه، (وكل يوم يأتينا خبر بالملايين عن مشروعات وعن هيئات ثم عن لغة جديدة بدأت تدخل إلى المعجم الاجتماعي) ص151.

فوقفوا من ذلك الانقسام موقف المتأمل والحائر بل وحيناً الخائف، من مجهول هذا التحول الذي ينتظرهم هناك غير مصدقين ما يحدث، بل اعتبروا ذلك ضرباً من الخيال (صار مجتمعنا حكاية بل ملحمة خيالية أو أسطورية، وصار القلق يساورنا على مصائرنا حينما نعود.... وبعضنا صار يشكك في قيمة العلم الذي يحمله والشهادة التي سيعود فيها) إن لحظات التقييم للموجود الكائن الذي أصبح يمثل قيمة الفرد في المجتمع وهي قيمة المال، وما ينبغي أن يكون قيمة العلم، بدأت تتذبذب عند هؤلاء الدارسين لأن مقاييسهم للقيمة أخذت تتبلور وفق قيمة الكائن (الحظ)، يقول الغذامي (..... وإن هذه الملايين لا تحتاج إلى خبرة ولا إلى جهد ولا إلى تأهيل، وهي كلها ضربة حظ صارخة بين دقيقة وأخرى، تتوالى القصص الخيالية حتى ضاع الحس الرقمي فيها)، لم يكن التحول الإدراكي لقيمة النفعي الذي سيطر حتى على عقول أصحاب العلم صورة مفردة للطفرة، بل هو صورة من صور متعددة، انطلقت قاعدتها من التحول الإدراكي، القائم، على استبدال العلم، بالحظ والشطارة، لتحصيل التفوق والنجاح، ودعم هذا المفهوم من خلال تجارب اجتماعية، يعرضها أستاذنا الغذامي

(كأن نسمع عن شاب كان فاشلاً في دراسته وعجز عن تحقيق أي شيء في حياته... ثم نسمع أنه صار بزنس مان.. هذه الكلمة دخلت على مجتمعنا وصار شباب يصفون أنفسهم بها كمعجم جديد وكعلامة تحول غير طبيعي يجعل الواحد من هؤلاء يلعب بالملايين ثم صرنا نسمع عن شيء سموه بالمساهمات وهو مشاركات عقارية بين أناس يشترون قطع أرض ويستكتبون المساهمات فيها ثم يبيعونها في وقت وجيز وتدر عليهم الملايين.. والعم فلان الغلبان الذي كنا نعرفه مدقعاً فقيراً وكذا فراش المدرسة الذي استقال وفتح مؤسسة) ص151. ثم يقول (ووجد الناس فرص كسب المال ميسورة ومتوفرة، ولا تحتاج إلى كبير جهد ولا إلى مؤهلات، بل إن المغامرين والمضاربين وغير مؤهلين هم الذين وجدوا السوق مفتوحة أمامهم.. وهم فئات من الرجال تحديداً فاتتهم فرص التعليم والتوظيف) ص162.

إن تحول مصدر القدوة، في المجتمع نحو النموذج المادي (التاجر، صاحب عقارات، رجل الأعمال) هو أثر تحصيلي للطفرة النفطية في منتصف السبعينيات التي أدت وبشكل مفاجئ إلى نشوء ثروة هائلة، نتيجة النفط، مع توقف شبه تام للنمو الاقتصادي كمنتج داخل الدورة الاقتصادية للمملكة. وعليها ترتب ظهور ما يسمى (بجماعات المصالح) تشكلت نتيجة الطفرة، وهي منظمة وغير منظمة من الأفراد الذين تجمعهم مصلحة أو رابطة موحدة). أنتجت فرداً خاصاً وخطاباً خاصاً، ذات لغة خاصة (لغة مجازية ذات تركيب دلالي خاص.. وصار كل شيء سريعاً وانتفاعياً وذاتياً... وظهر الفرد الجديد، وهو من صنع الطفرة، فرد ذاتي ومادي وتكسبي، ومعه لغة تتفق مع شروط التغير في مجازاتها وفي منظومتها القيمية، ودخل الكذب إلى سوق العقار حتى صار علامة متفقاً عليها... تقوم على صيغ ثابتة تشكل خطاباً للسوق يتداوله صانعو الحركة) ص162، إن الفرد الجديد الذي خلقه سوق الطفرة هو فرد أصبح ذا شخصية استقلالية، شعور اكتسبه من رأس المال الذي صنع مفاهيم مختلفة للعمل والقيمة والإنتاج والاستهلاك عما سبق، وهي (حصيلة لأحداث أفرزتها حركة التاريخ الفعلية)، كما يقول ماركس.

إن السوق تمثل قوة اقتصادية كمبرادورية تنتج نسقاً اجتماعياً توليدياً خاصاً، لا يفصل عن باقي نظم البناء الاجتماعي، باعتبار أن المجتمع ينظمه فكرة واحدة تتوحد في صور مختلفة على مستويات متشابكة، وهكذا بدأ السوق أثناء الطفرة يتجاوز مفهومه التقليدي، مكوناً خطاباً ذا نسق أسهم في حركة التشيؤ التي خلقت لدينا طبقة الرأسماليين.

إن الصورة الأولى التي تعبر عن تحولات أي حركة اجتماعية، علاقة الفرد بشكلانية المكان، هذه الشكلانية، تظل رموزاً تحمل العديد من المعاني التي تعبر عن مفاهيم الفرد نحو المكان، إذ أن المكان، هو أول نموذج يخضع لتجريب المرء لقيمة تحولاته، وقد بدأ هذا التحول

الشكلاني للمكان، منذ أن كان الغذامي في بريطانيا، من خلال (ما صار يرد في التلفزيون البريطاني عن تقارير وتغطيات وصور لوفود أجانب يفحصون إحدى الفلل ويطلبون بناء بركة سباحة في الحوش)، وتحولت بيوت الطين التي كانت تجمع فروع العائلة إلى بيوت إسمنتية فارهة (عرفت الرياض منذ أربعين عاماً، خبرت أحياءها، وشوارعها، وأرصفتها ومؤسساتها المدنية، وحدائقها، ومكتباتها، وملاعب الكرة في مساحاتها الخالية عندما كانت أبواب الحراس من الخشب، والغبار يعلو أجواء اللعب فيها.. كانت الرياض تكتنف جمالاً ودفئاً إنسانياً في أحيائها وشوارعها، وحدائقها ذلك أن الأحياء صغيرة، والناس يعرف بعضهم بعضاً، والأرصفة مملوءة بالمارة وتزداد حرارة الدفء عندما يسلم البعض على البعض الآخر، ويحمل معه أمتعته إذا كانت كثيرة، وعندما يتنادى البعض بشرب الشاي والقهوة بين مساكنها الطينية، ودكاكينها المتواضعة.

هكذا عرفت الرياض طفلاً ومراهقاً.. وعندما جاءت (الطفرة) نقلت سكان الرياض إلى الفلل في الثمانينيات الميلادية، وأصبح هناك شوارع جديدة وأسوار مرتفعة، واتسعت البيوت فانشغل الناس بما في داخلها مع وسائل الترفيه (الفيديو) آنذاك، والحدائق والمسابح، واختفى الناس في بيوتهم.. وذهب الدفء القديم في الشوارع والأرصفة والحدائق وتباعد الناس اجتماعاً ولم يعد من السهل على الأطفال أن يدخلوا بيوت جيرانهم كما كان الوضع قبل الطفرة.. وبقيت الرياض تعاني من نقص الدفء الإنساني ولا سيما في (ويذكر صورة من صور التحول في العلاقات الاجتماعية) هذه الصورة الشفافة لمشاعر الإنسان نحو المكان وما يحمله من دلالات إنسانية قرأتها للسيد (عبدالمحسن بن محمد الرشود مدير عام التخطيط والإحصاء بوزارة الداخلية) تثبت أن المكان يمثل بعداً سوسيولوجياً وفلسفة إنسانية للعلاقات بين الأفراد، فالتصاعد الفوقي للشكل العمراني يحمل مفهوماً تفريقياً في العلاقات، وتكسّر في في وحدة العلاقات الإنسانية، والمسألة تتدرج من الأوسع إلى الأضيق الأسرة، ليصيب التكسر كل شيء (وحدة البيت العائلي، وتوزعت العائلة.. إلى عائلات صغيرة.. مع انفصال تام عن الخلية الأولى... وظهرت بيوت الأسمنت بدلاً من بيوت الطين،.. وحلّت قيم المنزل الجديد في الخصوصية المفردة والانعزال والاعتماد على ترقية الذات وتمركز الحس الفردي) إن اختلاف نوع مادة البناء العمراني وتحوله من الطين إلى الأسمنت، طبعت بترميزاتها رؤية الفرد نحو الأمور (من الطين بثقافته الفطرية وارتباطه المباشر بالأرض حيث المادة البشرية والمادة الثقافية يجتمعان معاً في نسيج واحد، إلى الإسمنت حيث المادة المصنعة التي تقوم على فصل تام مع عوامل البيئة ومع ذاكرة المكان).

ليس المكان هو ما يمثل صورة تحولات بنية الفرد فقط، بل والسلوكيات واللغة والشكل، فجميعهم دلالات لتحول الفرد، ويقص علينا الغذامي بعض صور تلك التحولات (كان أول تجريب لي هو في مطار جدة في عودتي للإجازة الدراسية صيف 1976 حيث طلب مني سائق التاكسي خمسين ريالاً لتوصيلي

إلى فندق في وسط البلد.. وما دام التاكسي يحتاج إلى خمسين ريالاً فكم سيطلب صاحب الفندق؟ صار التاكسي بريالين وصار الآن بخمسين ريالاً، وكان الفندق بثلاثين ريالاً في الليلة فكم سيكون الآن وكانت النتيجة سبعمائة) ص152، وتحول على مستوى العلاقة الشكلانية للأفراد أنفسهم (..ذهبت إلى مطار جدة في طريقي إلى عنيزة، وهناك في صالة الركاب الداخلية رأيت ما لم أعهده، فهذه الوجوه الكثيرة لرجال في منتصف العمر وفي أيديهم حقائب سوداء وعلى أذرعتهم مشالح، وعلى عيونهم نظارات داكنة، ويمرون مسرعين وفي لغتهم نبرات الأمر والتوجيه، ومن خلفهم رجال يحيطون بهم) (لقد كنت متأكداً أنني في صالة الركاب الداخلية وأنني في صالة الركاب العادية، ومن حولي ليسوا سوى أفراد من الشعب لكنهم لا يبدون لي كذلك،... لكن ما هؤلاء الذين في المطار؟ إنها الطفرة يا عم) ص 153 لكن القضية ليست في التغير الشكلي للأفراد، بل القضية كما أحسبها، في الازدواجية التي حصلت ما بين معتقد الفرد (المستمر في السكون) ومظهره المتغير، وهذا ما جعل التحديث يغلب الحداثة.

لا نشك أن الطفرة أسهمت في تكوين حركة اجتماعية خاصة تتشكل حول مبادئ و(مصالح معينة) بهدف الدفاع عنها، أو للسعي من أجل تحقيقها، وشملت الجوانب المادية الملموسة، والجوانب الأخلاقية والمعنوية والقيمية، التي يعرض صورها أستاذنا الغذامي.

(ولم أتعود على سماع أحد يتعجب من هذه العودة المعاكسة إلا في هذا الصيف، صيف 1976، حيث خاطبني موظف الخطوط مستنكراً مجيئي إلى الحر والناس تطير إلى البراد هناك.... أما أن يقول لي موظف الخطوط إن كشوف الحجوزات تبلغ أرقاماً عالية من طالبي السفر إلى لندن.. ظل عندي في إطار الخبر) ص155 (مفاجأة أخلاقية هذه المرة، إذ نزل صاحبي من الطائرة مسرعاً،.. ثم انطلق ليركب سيارة فارهة كانت بانتظاره ولم يجد وقتاً لتوديعي، وكان المعتاد في أخلاق المجتمع الذي أعرفه قبل الطفرة أن يعرض الناس مساعدة بعضهم بعضاً)..(لم يكن التغير في الملابس وأرقام المكاسب والسفر صيفاً إلى لندن فحسب، ولكنه أيضاً في الأخلاق، لقد تغيرت أخلاق الناس وسلوكياتهم، صاروا مستعجلين في كل ما يفعلون وصاروا كثيري الكلام قليلي الإصغاء، وصاروا مسوقين لأنفسهم، وقد كانوا من قبل يكرهون الحديث عن النفس) (لقد كان مشغولاً بالمساومة على أجرة النقل وبدا لي أنهم لا يريدون أن يظهروا معرفتهم بك، لأن المعرفة تعيق المساومة) (وهكذا تعمد الناس كسر خيط التعارف من أجل تحقيق الغرض التجاري، وفي التجارة لا بد من كسر القيم الإنسانية ليحل محلها قيم أخرى هي قيم التكاثر، وهذا هو أخطر تحول صار عندنا مع الطفرة) (والطفرة معلم حداثي له منافعه مثلما له أضراره، ولقد أحدثت تغيراً جذرياً في مجتمعنا) ص157.

كل صور التحول تلك، كانت تحولات طبيعية، تشهدها حركة انتقال المجتمع إلى المدنية، بمؤسساتها المختلفة ووفرته المالية وفرص العمل، لكن يظل السؤال، رغم كل التمهيدات السابقة لخلق مجتمع متمدن فكراً وشكلاً، لماذا فشل المشروع الحداثوي؟؟

 

 

(إنه لا ينبغي أن نقول: أنبدأ باختراع مبادئ بواسطتها نحاول تفسير كل شيء، بل ينبغي أن نقول: لنقم بتحليل دقيق للأشياء)

فولتير

 

 

إدعم الموقع بنشر الموضوع مع أصدقائك